القرطبي
393
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تواردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيه أنه أمر أصحابه في حجته من لم يكن معه هدى ولم يسقه وقد كان أحرم بالحج أن يجعلها عمرة . وقد أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه صلى الله عليه وسلم ولم يدفعوا شيئا منها ، إلا أنهم اختلفوا في القول بها والعمل لعلل فجمهورهم على ترك العمل بها ، لأنها عندهم خصوص خص بها رسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجته تلك . قال أبو ذر : ( كانت المتعة لنا في الحج خاصة . أخرجه مسلم . وفي رواية عنه أنه قال : ( لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة ، يعني متعة النساء ومتعة الحج ) . والعلة في الخصوصية ووجه الفائدة فيها ما قاله ابن عباس رضي الله عنه قال : ( كانوا ( 1 ) يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون ( 2 ) المحرم صفرا ويقولون : إذا برأ الدبر ، وعفا الأثر ، وانسلخ صفر ، حلت العمرة لمن اعتمر . فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة ( 3 ) مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله ، أي الحل ( 4 ) ؟ قال : ( الحل كله ) . أخرجه مسلم . وفي المسند الصحيح لأبي حاتم عن ابن عباس قال : والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك ، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون : إذا عفا الوبر ، وبرأ الدبر ، وانسلخ صفر ، حلت العمرة لمن اعتمر . فقد كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة ، فما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة إلا لينقض ذلك من قولهم . ففي هذا دليل علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فسخ الحج في العمرة ليريهم أن العمرة في أشهر الحج لا بأس بها . وكان ذلك له ولمن معه خاصة ، لان الله عز وجل قد أمر بإتمام الحج والعمرة كل من
--> ( 1 ) الضمير في " كانوا " يعود إلى الجاهلية . ( 2 ) قوله : " ويجعلون المحرم صفرا " . المراد الاخبار عن النسئ الذي كانوا يفعلونه وكانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه ، وينسئون المحرم ، أي يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة تضيق عليهم أمورهم من الغارة وغيرها والدبر : الجرح الذي يحصل في ظهر الإبل من اصطكاك الأقتاب ، فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج . وعفا الأثر : أي درس وامحى ، والمراد أثر الإبل وغيرهما في سيرها ، عفا أثرها لطول مرور الأيام . وقال الخطابي : المراد أثر الدبر . وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الاخر ويوقف عليها ، لان مرادهم السجع . عن شرح النووي لصحيح مسلم . ( 3 ) أي صبح رابعة من ذي الحجة . ( 4 ) قوله : " أي الحل " أي هل هو الحل العام لكل ما حرم بالاحرام حتى بالجماع ، أو حل خاص .